السبت، ديسمبر 18

براءة بين يدي الموت


براءة

كانت أمامي .. ترقد على السرير مثل دمية .. لا تدري أي شئ عما قد حل بها .. وليته كان هينا ؟

طفلة لا يتجاوز عمرها الخمس سنوات .. بريئة الملامح رقيقة الأطراف .. ملطخة بالدماء!

كانت نوباتجيتي في تلك الليلة سهراً في الاستقبال .. وفي الليل الذي يعتقد الناس – كذباً - أنه محل السكون والهدوء كانت المستشفى – الاستقبال تحديداً - تعج بالأصوات والحركة والنشاط كأننا وقت الظهيرة ، فكل شئ ينام إلا المرض والحوادث والموت .. والأطباء بالطبع .

صوت الاسعاف الذي لفرط كونه مألوفاً لم يعد يشد انتباهي .. وها هم يحملونها .. جثة هامدة لا تحرك ساكناً .. جريت إلى غرفة الطوارئ .. وسألت المسعف عما قد حل بهذا الملاك الصغير الذي وقع فريسة سهلة لوحش مرعب .

أخبرني أنه حادث طريق – كالعادة في مثل تلك الليلالي النابغية التي لا تنقضي .. ولكن المصيبة التي قصمت ظهري وأصابتني بحالة من الوجوم الغير منتهي أنه أخبرني أن والديها قد ماتا في الحادث

نظرت إليها .. ودمعت عيناي .. تلك الملامح التي لم ولن تتفهم معنى الإبتلاء التي قد ابتليت به .. ولن يقدر أحد أن يلومها إذا أصابتها نوبة إكتئاب حادة أو جنون حتى .

تلك اليدين التي لن تمسك يد والدها وهي تعبر الطريق ثانية لن يحضر لها الحلوى بعد عودته من العمل .. ولن تقبلها والدتها أبداً لن تضمها إلى صدرها ليزول عنها الخوف واالألم

بكيت حقاً فمن الصعب أن ترى أمامك جمال كهذا وبرائة كتلك ممزوجة بكل هذا القدر من الألم النفسي والعضوي أن ترى بأم عينيك الضعف مجسداً والخوف في أبشع صوره .. وتتذوق ألم الفقدان والخسارة بل والمصيبة

أخذت أتمتم بأن يجيرها الله في مصيبتها ويخلفهما خير منها .. ولكن هل تفهم تلك الطفلة أن هناك ما يمكن أن يعوضها عن والديها .

ما الذي يفصل بين الخطر والأمان ؟؟ هي لحظة واحدة .. خطوة واحدة يمكنها أن تنقلك في لمح البصر من منتهى الأمان لمنتهى الخطر .. كمن كان يمشي على أرض يابسة صلبة وفجأة وجد نفسه في بحر عميق وهو لا يجيد السباحة

حمدت الله كثيراً .. ولا أعلم لماذا شعرت بأنانية شديدة وأنا أدعو الله بالدعاء الذي لا أكف عن ترديده كل لحظة ( الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى بها غيرنا )

من حولي الكثير من الأشخاص .. طبيب الجراحة وجراح المخ والأعصاب وطبيب الأشعة والممرضات وزملائي .. لكني كنت لا أرى غيرها .. تلك الفتاة التي لم أعرف لها اسماً .. لن أجد من الأسماء ما يمكنه وصفها فهل من السهل أن تجد اسم يحمل معاني الجمال والبراءة والالم والخوف والفاجعة والمرض والمصيبة والابتلاء .

بعد الكثير من الفحوصات والأشعات .. كانت الطفلة مصابة بكسور في الجمجمة وبعض أجزاء أخرى من الجسم مع الكثير من الكدمات والجروح السطحية .. سبحان الله ما بها لا يطيقه أحد .

بعد حوالي أربع ساعات جاء عم الطفلة وكانت قد حجزت في قسم المخ والأعصاب لمتابعة حالتها .

أكثر ما آلمني في تلك القصة هو تجمع المصائب على طفلة رقيقة كزهرة .. ولكن الله خالقها لن يتركها وحدها .. واثقة من ذلك

السبت، ديسمبر 11

هي التي أراها في مرآتي


لا أعلم ما الذي جعل نرجس يدمن النظر إلى مرآته فوق بحيرة الماء التي اسعدته طوال حياته والتي كان يتأمل بها وجههه الجميل الذي هام به حباً .. ثم كانت سبباً في هلاكه في النهاية ؟؟

هو لم يكن يراها في ... إذن كيف شعر بكل تلك السعادة ؟؟

هي التي يبتسم وجهها في المرآة كلما ابتسمت .. وتنسكب دموعها إذا حزنت .. هي ملكة القلوب والأرواح .. أميرة مملكة لا تعرفها الأساطير بعد .

لا أحب الإعتراف بالضعف .. رغم أن الضعف صفة بشرية مطلقة لا تخطئ أحدا .. إلا أنني لا اهتم بشئ مثلما اهتم بألا أظهر ضعيفاً أمام شخص ما .

الأغرب .. أنه لا يوجد استثناء لتلك القاعدة .. فحتى الشخص الوحيد الذي أثق به ثقة عمياء وهو ( أنا ) لا اعترف أمامه بضعفي .. ولو ( انا ) أخبرني مرة بأنه يعاني من ضعف ما فسرعان ما اتغلب على ضعفه وأقهره بأي شئ .. غالباً يكن هذا الشي هو العمل .. فأنا أحب العمل كحبي لذاتي أو ربما أكثر .

لا استطيع أن أضع يدي على تلك اللحظة التي شعرت فيها بأن قلبي يريد مني لحظة توقف وتفكير .. لابد أنه يميل ( لها ) بشكل ملحوظ .. هي التي استطاعت تحريك الجبل من مكانه .

غريب هو الحب الذي يحدث وحده .. كنت أعتقد أن الحب يحدث بأمر منك لحدوثه .. لكنه لن يكن بعمق الحب الذي يحدث لأنه يجب أن يحدث !

هي التي استطاعت اخراج المارد من فانوس علاء الدين .. هي التي ألقت بخاتم سليمان في البحر لكي لا يعرف أحداً تلك الأسرار التي تعرفها وحدها .. هي التي تشبه البنات في كل شئ وتختلف عنهم في كل شئ .

هناك مذاق جديد لم أعرفه من قبل .. مثل نكهة التوابل على الطعام عندما تعرف عليها الأوربيون في القرون الوسطى وكانت تباع بأسعار أغلى من الذهب .. لون جديد للأشياء مثل اكتشاف نيوتن الذي غير مجرى العلم عندما أثبت أنه يمكن تحليل الضوء لألوان الطيف المعروفه لنا .. أصوات لم تعتاد أذني عليها .. مثل تلك النبضات الصوتية التي تلقطتها أجهزة الراديو في وكالة ناسا من النجوم البعيدة .

كل شئ .. جديد .. جميل .. مثير .. لكنه مؤشر يقول لي .. أن هناك حالة ضعف شديدة تسيطر علي

يقولون أن الحقيقة تفرض نفسها علينا .. يمكنك أن توهم نفسك كثيراً بأنك تجيد السباحة لكنك لن تدرك الحقيقة قبلما تجد نفسك تصارع الغرق في قلب البحر .. وكانت الحقيقة أني أحببت تلك الفتاة .. حباً حقيقياً عميقاً صادقاً .. أحببتها مثلما تحب الأرض الشمس .

هي التي أراها في مرآتي كل يوم بالصباح وقبل النوم .. التي أشعر أن طيفها يشاركني حياتي كلها .. قريبة مني جداً وبعيدة جداً .. فتاة المتناقضات التي تعرف كيف تكون كل شئ وأي شئ !! .. هي التي ازاحت الستار عن تلك المسرحية الهزلية التي كنت أعيش بها طوال حياتي .

ولكن بالطبع لابد من حل .. لابد من المواجهة والتأهب والاستعداد لخوض معركة قاسية مع النفس .

لذا قررت أن أجد حلاً نهائيا قاطعاً جداً ربما يشبه الحل الذي اختاره نرجس في نهاية المطاف عندما ألقى نفسه في البئر ليتوحد مع صورته التي عشقها ربما لكي يرتاح من آلام الهوى التي أسرف فيها .. هذا الحل هو تحطيم تلك المرآة التي أراها تطل منها دوماً !! فما رأيكم ؟ انا بالطبع لست في غباء نرجس ولن أنهي حياتي مثلما فعل .. فأنا أهم شخص عندي كما تعلمون !!