
تحاول أن تمسح تلك الدوع الغزيرة الحارة .. إنها فقط تريد أن تعبر الطريق.. لكنها لا تستطيع التوقف عن البكاء .. لا تأبه إذا دهمتها سيارة .. فلم يعد في عمرها الكثير .
رعب شديد قادم من أعماقها .. رعب لم تشعر بمثله من قبل .. خوف رهيب كطفلة مذعورة بحق .. ربما تريد في هذه اللحظة أن تختبئ بين راحتي شخص قريب لها لكنها تجد نفسها وحيدة .
بالأمس هي تلك الشابة المليئة بالطموح .. التي تحلم كما لو أنها تأكل وتشرب وتتنفس .. لا تتوقف لحظة واحدة عن الأحلام .. شديدة التعلق بأحلامها بشكل قد لا يتصوره البعض .
أما اليوم فقد صدمت صدمة لأول مرة بحياتها تشعر بتأثيرها .. أما سبب الصدمة .. فهو أن الطبيب أخبرها أن هناك إحتمال كبير لإصابتها بالسرطان .
السرطان - أعاذكم الله جميعا منه - هذا المرض الذي تعرفه بشده وتهابه بعمق .. المرض الذي تدرسه في كتبها ويقشعر جسدها له كلما مرت عليه .
طبيبة هي .. تعرف جيداً ما يعنيه المرض .. تعرف الأوهام التي تحيط بعلاجه .. تعرف - رغم ايمانها بالقضاء والقدر - أن أجلها قد اقترب .
لماذا تشعر بكل هذا الخوف ؟ تتعجب هي !! لأنها دائماً تقول أنها تؤمن بقضاء الله ، تتوقع الموت بأي لحظة ، لكن - كما يقولون - كانت يديها في المياة الباردة .
تجربة صعبة جدا هي تجربة الشعور باقتراب الموت .. ربما لن يشعر بها إلا من جربها حقاً .. تسير في الطريق وحدها .. تبكي .. لا تهتم بمن ينظر لها .. تتذكر والدتها ووالدها ، أخويها ، أقاربها ، أصدقائها ، أحلامها الكثيرة التي لم تحقق منها شئ حتىالأن .. وتبكي وتبكي .
يقولون عنها- وتعرف نفسها - أنها قوية وشديدة التحمل .. لكنها تشعر بهذا الوقت أنها أضعف من ورقة شجر في الخريف .. دائماً مهما كنت هناك أشياء تفوق تحملك .
كانت دائماً تقول أنه يجب على الإنسان أن يصبر عند الإبتلاء ، أن يتحمل ، وتتعجب على هؤلاء لأنهم لا يستطيعون التحمل وهذا ما يريده الله لهم .. لتكتشف في هذه اللحظة أنها واهمة .. ايضاً لأن يديها كانت بالمياة الباردة .
والخطوة القادمة كانت بعد ست ساعات .. لتتأكد من إصابتها بالمرض .. كيف مرت الساعات الست ؟؟ .. مرت كأصعب وأقسى وأعنف ست ساعات بحياتها .. لا تستطيع النطق بكلمة لكن قلبها يذكر الله .. يدعوه بصدق يرجوه .. بصعوبة شديدة مرت الست ساعات .
************
تشعر بفرحة ربما لم تشعر بها من قبل .. لقد أخبرها الطبيب أن التشخيص الأول كان خاطئاً .. يااااااا الله
كمن كان تحت أنقاض مبنى كبير ينتظر الموت في يأس .. ثم وجد من أنقذه من هذا .. بفضل الله .
قضت فترة قصيرة نسبيا لتبرأ من مرضها .. أجرت عملية جراحية .. شفيت تماما .
*********
تلك التجربة .. علمتها الكثير .. جعلتها أكثر قوة وصلابة .. جعلتها - ويالها من فائدة - تشعر حقاً بقلبها وروحها وجسدها بوجود الله .. برحمته وكرمه .
تعلمت أن حياتها قيمة كبيرة .. جعلتها تقرر أن تحيا لهدف كبير ورسالة عظيمة .. حتى إذا توفاها الله تكون قد تركت ورائها أثراً يشهد لها .. تجد من يدعو بصدق لها .. تترك صدقة جارية .
تعلمت .. أن كل يوم من حياتنا هو هدية من الله .. منحة عظيمة .. قد تزول بأي لحظة .. يمكننا أن نساعد به غيرنا أن نرسم البسمة على وجه أحدهم .. أن نأخذ من الحسنات ما ينفعنا حين العرض على الله .
**********
واليوم .. وقد مر عامين على تلك التجربة .. تجلس بهذا الوقت المتأخر من الليل .. لتكتب تلك الكلمات .. وهي تردد بين كل كلمة والثانية .. الحمد لله .
الحمد لله ملأ السماوات والأرض
********
تقول بأنها إزدادت قوة وصلابة .. لتكتشف أنها لازالت تلك الطفلة الضعيفة
كانت تهاب الموت بشدة وقتها .. لتكتشف الآن أن هناك من المخاوف ما هو أصعب من الموت بحق
دائماً .. لكي نتذكر .. أننا فقرااااااااء إلى الله
إلى كرمه ورحمته

