السبت، يوليو 11

غريبة هي


بالرغم من كل ذلك هي لازالت تبتسم .. لكن من يعرفها جيداُ يعلم أن هذه الابتسامة ليست هي تلك التي اعتادوها منها .. انها ابتسامة تحمل كل معاني الألم والحزن .. كأنها صرخة من أعماق الوجدان تأبى الاستلام فتخرج على ملامحها بهذا الشكل .

عندما جلست على شاطئ البحر في تلك الليلة المقمرة .. وحدها .. لا شئ معها سوى البحر والسماء والقمر .. صديقها الذي رأت على وجهه ملامحها الحزينة .. رأته وكأنه يبكي .. كأنه يقول لها .. هل أنت هي تلك الطفلة الصغيرة التي اعتدت عليها ؟ فمنذ طفولتها وهي تجلس لتنظر اليه بالساعات وتتحدث له في صمت تام .. وفي هذا اليوم شعرت حقاُ انه يتألم لها .. يود أن يقول لها أن الحياة لا تستحق منك كل هذا الحزن والألم .. لكنه لا يقدر لأنه يتألم مثلها .

انها تشعر بغربة لا مثيل لها .. تشعر بغربة مع البشر .. لا احد يفهمها او يشعر بها .. لا تجد لأحلامها صدى في نفوس احدهم ولا لمشاعرها رنين في قلوب احدهم .. دائما وحدها .. مع احلامها ومشاعرها التي لا تطيقها وحدها فهي أكثر من أن تظل دفينة بداخلها .. أفكارها .. طموحها الغير متناهي الذي ما يتحطم أمام صخور الحياة الصلبة .. وحصون الواقع المؤلمة .

دائماُ تتعرض لنفس التجربة .. أن تقترب من أحلامها بقوة .. وتشعر أنها على وشك التحقيق .. وتلتصق بها وتتذوق حلاوتها .. ثم تنتزع منها بعد ذلك ... كمن يتدرب على اغنية جميلة لكي يغنيها في حفل كبير طالما حلم به .. وقبل اللحظة الأخيرة .. يفقد صوته .. قدرته على الغناء ... انها دائما تبحث عن شئ أمام عينيها .. تراه لكنها لا تستطيع الاقتراب منه .. ولا حتى الابتعاد . .. تظل تراقبه من بعيد .. لأنها تعلم بأن هناك وقت لن تجده أمامها فيه .

تجيد وبقوة فنون كثيرة .. تجيد فن اسعاد الآخرين .. وتعذيب الذات .. متناقضة هي لأبعد الحدود .. تمتلك اعلى درجات العقل والحكمة وأعلى درجات الجنون والتهور ... مشاعرها واحلامها كجواد جامح لا يستجيب لضغوط ولا حقائق .. لكنه لا يستطيع الخروج للنور .. لأنه ينتمي لعالم آخر غير عالمنا .. عالمها الذي تعيش به وحدها .. تحبه جدا وتستمتع به .. وتكرهه جداُ لأنها به وحيدة .. وحيدة كأبشع صور الوحدة .

يسيطر عليها خوف رهيب .. خوف قادم من أعماق كل النفوس الخائفة .. من أقوى صرخات الرعب الدفين في النفوس .. كخوف طفل صغير وجد نفسه في صحراء مظلمة مترامية الأطراف .. ويقف خائفاُ مرتعداُ لا يستطيع الحراك لا للأمام ولا للخلف .


غريبة هي حقاُ .. إنها تتألم بشدة بعمق كأنها لن تفرح ثانية .. ثم تفرح .. كمن لم يعرف طعم الألم من قبل .


تتذكر طفولتها .. ايضا كانت وحيدة .. كانت تتألم .. وتبكي .. لكنها كانت ترى نفس النور .. إنها تحلم به من وقتها .. عمر أحلامها كبير جدا .. إنها لا تمل الأحلام فهي دنيتها وعالمها .. حتى وإن خذلتها مرات كثيرة .. فهي تتقن فن التعامل مع الإبتلائات .. وتعرف معنى الصبر المرير .. وتجيد احساس التضحية بوجهية الحزين والسعيد ..


كثيراُ ما تتسائل .. هل ستظل وحيدة خائفة ؟ .. ودائماُ تجيب بأن لا .. لأنها تعلم أن ربها لن يتركها .. لن يخزلها .. فكم ملأ أحلامها ذلك النور .. نور جميل .. نور خلاب .. نور بها كل معاني الحب التي تسكن قلبها .. كل معاني الإحتواء والروحانية والشفافية والسكون والاستقرار والمواجدة والدفئ والتناغم .. نور تعلم انه قادم .. بإذن الله .

1 شرفوني بتعليقهم:

فليعد للدين مجده يقول...

بكلماتك المعبرة تصفين حالنا كلنا، فمن منا من أضفي علي وجهه ابتسامة لكنها تخفي تحتها من الالم ما لا يكفي كل صراخ الدنيا ليخفف ذلك الحزن، لكنها رحمة الله حين تحيط بالمرء فتنتشله من الضياع ولا ننسي أبدا أن الله لطيف بعباده وأن اختيار الله لنا دوما أحكم من اختياراتنا القاصرة )ومن يتوكل علي الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شئ قدرا)